ابن الجوزي

178

زاد المسير في علم التفسير

للنار - أو قال : لجهنم - ضجيجا من بردهم " . وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية ، فقال له : " أما أنا وأنت فسندخلها ، فانظر أيخرجنا الله عز وجل منها ، أم لا ؟ فاحتج بقوله تعالى * ( فأوردهم النار ) * وبقوله تعالى : * ( أنتم لها واردون ) * . وكان عبد الله بن رواحة يبكي ويقول : أنبئت أني وارد ، ولم أنبأ أني صادر . وحكى الحسن البصري : أن رجلا قال لأخيه : يا أخي هل أتاك أنك وارد النار ؟ قال : نعم ; قال : فهل أتاك أنك خارج منها ؟ قال : لا ; قال : ففيم الضحك ؟ ! وقال خالد بن معدان : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قالوا : ألم يعدنا ربنا أن نرد النار ؟ فيقال لهم : بلى ، ولكن مررتم بها وهي خامدة . وممن ذهب إلى أنه الدخول : الحسن في رواية ، وأبو مالك . وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء . فقال الزجاج : العرب تقول : وردت بلد كذا ، ووردت ماء كذا : إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا ، ومنه قوله تعالى : * ( ولما ورد ماء مدين ) * والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى : * ( أولئك عنها مبعدون . لا يسمعون حسيسها ) * ، وقال زهير : - فلما وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصي الحاضر المتخيم - أي : لما بلغن الماء قمن عليه . قلت : وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج ، فقال : أما الآية الأولى ، فإن موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم ، كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل ، وأما الآية الأخرى ; فإنها تضمنت الإخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها ، وحينئذ لا يسمعون حسيسها . وقد روينا آنفا عن خالد بن معدان أنهم يمرون بها ، ولا يعلمون . والثاني : أن الورود : الممر عليها ، قاله عبد الله بن مسعود ، وقتادة . وقال ابن مسعود : يرد الناس النار ، ثم يصدرون عنها بأعمالهم ، فأولهم كلمح البرق ، ثم كالريح ، ثم كحضر الفرس ، ثم كشد الرحل ، ثم كمشية . والثالث : أو ورودها : حضورها ، قاله عبيد بن عمير . والرابع : أو ورود المسلمين : المرور على الجسر ، وورود المشركين : دخولها . قاله ابن زيد . والخامس : أن ورود المؤمن إليها : ما يصيبه من الحمى في الدنيا ، روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال : الحمى حظ كل مؤمن من النار ، ثم قرأ : * ( وإن منكم إلا واردها ) * فعلى هذا